مثل السامري الصالح، المذكور في لوقا 10: 25-37، هو من أكثر القصص تأثيرًا ليس فقط في الكتاب المقدس بل في تاريخ الحضارة الإنسانية. أصبح مصطلح "السامري الصالح" رمزًا عالميًا للرحمة، وقد أطلق اسمه على العديد من المستشفيات، والجمعيات الخيرية، وحتى القوانين التي تحمي من يقدم المساعدة في العديد من الدول.
السياق: سؤال التحدي
قُص المثل للإجابة على سؤال من أحد معلمي الشريعة الذي أراد اختبار يسوع. سأل: "ماذا أفعل لأرث الحياة الأبدية؟" وعندما سأل يسوع عن الشريعة، أجاب المعلم بشكل صحيح: "أحبب الرب إلهك... وأحبب قريبك كنفسك." ولكن رغبة في تبرير نفسه، سأل: "ومن هو قريبي؟"
يعكس هذا السؤال الجدل الحاد في اليهودية في القرن الأول. العديد من القادة الدينيين حصروا "القريب" في اليهود فقط، مستبعدين الأمم وخاصة السامريين.
القصة حسب الكتاب المقدس
كان رجل نازلًا من أورشليم إلى أريحا، فوقع بين لصوص، فعروه وجرحوه وتركوه بين حي وميت.
— لوقا 10:30الكاهن واللاوي: اللامبالاة المبررة
الشخصيتان الأوليان اللتان مرتا — كاهن ولاوي — كانا من ذوي المكانة الدينية العالية في المجتمع اليهودي. كلاهما رأى الضحية ولكنهما "عبرا إلى الجانب الآخر من الطريق." لم يكن هذا الفعل مجرد لامبالاة؛ ففي السياق الثقافي لتلك الفترة، لمس شخص ميت أو يحتضر كان يجعلهما نجسين طقسيًا، غير قادرين على أداء واجباتهما في الهيكل.
✦ ملاحظة جغرافية
الطريق من أورشليم إلى أريحا يبلغ طوله حوالي 27 كم، مع فرق ارتفاع يقارب 1000 متر. الطريق متعرج عبر صحراء قاحلة، وكان معروفًا بخطورته بسبب السرقات. المؤرخ يوسيفوس والجغرافي سترابو كلاهما سجلا حالة انعدام الأمن الخطيرة على هذا الطريق في القرن الأول.
السامري: الشخصية المفاجئة
اختيار السامري كبطل للقصة كان العنصر الأكثر صدمة للمستمعين في ذلك الوقت. كان اليهود والسامريون في عداء طويل الأمد لعدة قرون. كانوا يعتبرون بعضهم البعض هراطقة ويتجنبون أي تواصل.
لكن سامريًا كان مسافرًا، جاء إليه ورآه فتحنن، فتقدم وضمد جراحه وصب عليها زيتًا وخمرًا، ثم وضعه على دابته وأتى به إلى فندق واعتنى به. وفي الغد أخرج دينارين وأعطاهما لصاحب الفندق وقال: اعتن به، ومهما أنفقت أكثر فعند رجوعي أوفيك.
— لوقا 10:33-35✦ تحليل التكلفة
الديناران يعادلان أجر يومين لعامل عادي. لم يكتف السامري بالمساعدة الفورية بل التزم بتغطية جميع النفقات الإضافية. هذا الفعل يعكس تضحية شاملة: الوقت (توقف عن رحلته)، المال (دفع المال)، العاطفة (تحنن)، والمخاطرة الشخصية (قد يُساء فهمه كالمعتدي).
السؤال المعكوس ليسوع
بدلاً من الإجابة على "من هو قريبي؟"، قلب يسوع السؤال تمامًا:
من من هؤلاء الثلاثة تظن أنه كان قريبًا للذي وقع بين اللصوص؟
— لوقا 10:36السؤال الأصلي كان يسعى لتحديد: "من يستحق مساعدتي؟" سؤال يسوع يوسع الأفق: "هل أنت تصبح قريبًا لمن يحتاج المساعدة؟" هذا الفرق كان ثوريًا — فهو ينقل المحبة من مفهوم قانوني إلى نمط حياة نشط.
ثلاثة دروس أساسية:
- المحبة تتجاوز كل الحدود: الرحمة لا تقتصر على العرق أو الدين أو الأمة. السامري ساعد رغم أن الضحية قد يكون يهوديًا — عدوًا تقليديًا.
- الإيمان يجب أن يكون مصحوبًا بالأفعال: الكاهن واللاوي كان لديهما معرفة دينية عميقة لكنهما فشلا في الأساسيات: المحبة من خلال الأفعال الملموسة.
- السؤال الصحيح ليس "من هو قريبي؟" بل "هل أنا أكون قريبًا؟": يسوع اختتم بأمر بسيط لكنه تحدي: "اذهب وافعل كذلك."
مثل السامري الصالح يستمر في تحدي كل جيل. في عالم مليء بالانقسامات، حيث من السهل على الناس "العبور إلى الجانب الآخر من الطريق" أمام معاناة الآخرين، تعاليم يسوع تتردد بقوة لم تتضاءل: المحبة الحقيقية تتطلب العمل، التضحية، والاستعداد لكسر كل الحواجز للوصول إلى المحتاج.


